الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
384
نفحات القرآن
كان الأشخاص المتنفّذون يشفعون للمخطئين عند أصحاب السلطة قبل نزول القرآن بآلاف السنين ، إلّاأنّ الشفاعة السائدة بين أوساط الناس تختلف عن الشفاعة في منطق القرآن والأديان السماوية بفارق واحد مهم وواضح وهو : أنّ الشفاعة في المجتمعات الإنسانية غالباً ما يُقصد بها قبول شخص متنفّذ للحاجة إليه في وجه من الوجوه ، ولذلك تقبل شفاعته في حق المخطيء ، لكي يستفيد من الشافع في الظرف المناسب لبلوغ بعض الغايات ! فالملوك مثلًا كانوا يقبلون شفاعة حواشيهم ورجال دولتهم في بعض المجالات لكي يعظموهم ويمّجدوهم وليستفيدوا منهم في انجاز أعمالهم في الوقت المناسب . وكذلك كان الشفعاء يأخذون بنظر الاعتبار علاقتهم الشخصية بالمشفوع له ، وليس أهليته ومدى استحقاقه لها . ولكن لما كان اللَّه غنيّاً بالذات وغير محتاج على الاطلاق ، فالشفاعة لديه تأخذ طابعاً آخر وهو أنّ الشفعاء لديه ينظرون إلى المخطئين ليروا مَن مِنهم ينال رضا اللَّه بسبب بعض النقاط الإيجابية لديه كالإيمان والعمل الصالح ، فيشفعون له عند اللَّه لأجل هذه الجوانب الإيجابية ، وهذا هو الفارق الشاسع بين الشفاعة المتداولة بين الناس وشفاعة أولياء اللَّه لديه ، إذ أنّ الأولى قائمة على العلاقات في حين أنّ الثانية قائمة على الضوابط والاستحقاقات : ومن هذا المنطلق يمكن الردّ على بعض المنتقدين الجهلة الذين يرون الشفاعة نوعاً من الوساطة أو أنّها بمثابة الضوء الأخضر للمذنبين ، وقارنوها بشفاعة حواشي الملوك المتجبّرين ، فالأسس التي تقوم عليها الشفاعة في مفهومها الشرعي تعتبر بنّاءة ومبنية على عوامل اللياقة والاستحقاق ، في حين تنبع الشفاعة المتعارفة بين الناس في أغلب أشكالها من الحاجة المتبادلة بين الطرفين وترتكز على العلاقات الخاصة والشخصية غير المنطقية . فالشفاعة الإلهيّة تربوية ، والشفاعة المتعارفة تكون سبباً للاجتراء على ارتكاب الذنب أحياناً . وتمثّل الآيات التي ذُكرت سابقاً شاهداً حيّاً على هذا المعنى ، لأنّها تحدد خصائص لمن